الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
30
مجموعة الرسائل
وقوله تعالى ( إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ) ( 1 ) وقوله تعالى ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ) ( 2 ) وقوله سبحانه ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) ( 3 ) فإرادة قبول الإنذار من المنذر ، والإنذار بقصد أن ينذر المنذر لا يكون حقيقيا إلا إذا كان المنذر ممن اتبع الذكر ، وخشي الرحمن بالغيب ، ويؤثر فيه الإنذار . أما من لم يؤثر فيه ذلك ، ولا ينذر بالإنذار فإنذاره ليس إلا صوريا ، ولرفع عذره ولئلا يكون له على الله حجة . هذا ، وإن شئت قلت : إن الإرادة التشريعية على ضربين ، ضرب منهما ما يعلم المريد من حال المراد منه أنه ينبعث نحو المأمور به بأمره ، ويحركه ويصير داعيا له ، فيطلب منه ذلك بالطلب الحقيقي ، والإرادة الجدية ، وضرب منهما ما يعلم المريد من حال المراد منه أنه لا يتأثر بأمره ، فيحكم بأمره أو نهيه بما ينبغي أن يفعل ، أو لا يفعل وينشأ ما يصلح أن يكون داعيا له ، ولكن لا طلب له حقيقيا في هذه الصورة ، ولا يريد انبعاث المأمور بهذا الأمر بالإرادة الجدية ، بل لا يصح إطلاق الطلب والإرادة على ذلك بنحو الحقيقة إلا مجازا وبالتمحل ، بخلاف الأول فإن إطلاق الطلب والإرادة وأنه مريد وطالب يكون على نحو الحقيقة . وعلى هذا نقول : إن الإرادة المذكورة في الآية وإن كانت تشريعية ، إلا أنها من النوع الأول الذي أراد الآمر والناهي بالإرادة الجدية ، والطلب الحقيقي انبعاث المأمور ، وأمره ونهيه يصدر منه بداعي انبعاثه ، وصراحة الآية في ذلك ، وأن الإرادة المذكورة جدية وليست من النوع الثاني ، في غاية الوضوح .
--> ( 1 ) يس - 11 ( 2 ) النساء - 156 ( 3 ) الأنفال - 42